سيد قطب

2040

في ظلال القرآن

المكية وفي غيرها من السور المدنية . فهو في كل مرة يعرض بطريقة جديدة ؛ وفي ضوء جديد ؛ ويتناول عرضه مؤثرات وموحيات ذات إيقاع جديد وإيحاء جديد ! إن هذه القضايا لا تعرض عرضا جدليا باردا يقال في كلمات وينتهي كأية قضية ذهنية باردة إنما تعرض وحولها اطار ، هو هذا الكون كله بكل ما فيه من عجائب هي براهين هذه القضايا وآياتها في الإدراك البشري البصير المفتوح . وهذه العجائب لا تنفد ؛ ولا تبلى جدتها . لأنها تنكشف كل يوم عن جديد يصل إليه الإدراك ، وما كشف منها من قبل يبدو جديدا في ضوء الجديد الذي يكشف ! ومن ثم تبقى تلك القضايا حية في مهرجان العجائب الكونية التي لا تنفد ولا تبلى جدتها ! وهذه السورة تطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق وآماد وأعماق ؛ وتعرض عليه الكون كله في شتى مجالاته الأخاذة : في السماوات المرفوعة بغير عمد . وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . وفي الليل يغشاه النهار . وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس نابتة وأنهار جارية ، وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان ، ينبت في قطع من الأرض متجاورات ويسقى بماء واحد . وفي البرق يخيف ويطمع ، والرعد يسبح ويحمد ، والملائكة تخاف وتخشع ، والصواعق يصيب بها من يشاء ، والسحاب الثقال والمطر في الوديان ، والزبد الذي يذهب جفاء ، ليبقى في الأرض ما ينفع الناس . وهي تلاحق ذلك القلب أينما توجه : تلاحقه بعلم اللّه النافذ الكاشف الشامل ، يلم بالشارد والوارد ، والمستخفي والسارب ، ويتعقب كل حي ويحصي عليه الخواطر والخوالج . والغيب المكنون الذي لا تدركه الظنون ، مكشوفا لعلم اللّه ، وما تحمل كل أنثى ، وما تغيض الأرحام وما تزداد . إنها تقرب لمدارك البشر شيئا من حقيقة القوة الكبرى المحيطة بالكون ظاهره وخافيه ، جليله ودقيقه ، حاضره وغيبه . وهذا القدر الذي يمكن لمدارك البشر تصوره هائل مخيف ، ترجف له القلوب . وذلك إلى الأمثال المصورة تتمثل في مشاهد حية حافلة بالحركة والانفعال . إلى مشاهد القيامة ، وصور النعيم والعذاب ، وخلجات الأنفس في هذا وذاك . إلى وقفات على مصارع الغابرين ، وتأملات في سير الراحلين ، وفي سنة اللّه التي مشت عليهم فإذا هم داثرون . . هذا عن موضوعات السورة وقضاياها ، وعن آفاقها الكونية وآمادها . . ووراءها خصائص الأداء الفنية العجيبة . فالإطار العام الذي تعرض فيه قضاياها هو الكون كما أسلفنا ومشاهده وعجائبه في النفس وفي الآفاق . وهذا الإطار ذو جو خاص : إنه جو المشاهد الطبيعية المتقابلة : من سماء وأرض . وشمس وقمر . وليل ونهار . وشخوص وظلال . وجبال راسية وأنهار جارية . وزبد ذاهب وماء باق . وقطع من الأرض متجاورات مختلفات . ونخيل صنوان وغير صنوان . . ومن ثم تطرد هذه التقابلات في كل المعاني وكل الحركات وكل المصائر في السورة ، فيتناسق التقابل المعنوي في السورة مع التقابلات الحسية ، وتتسق في الجو العام . . ومن ثم يتقابل الاستعلاء في الاستواء على العرش مع تسخير الشمس والقمر . ويتقابل ما تغيض الأرحام مع ما تزداد . ويتقابل من أسرّ القول مع من جهر به . ومن هو مستخف بالليل مع من هو سارب بالنهار . ويتقابل الخوف مع الطمع تجاه البرق . ويتقابل تسبيح الرعد حمدا مع تسبيح الملائكة خوفا . وتتقابل دعوة الحق للّه مع دعوة الباطل